تحديات كفيف

16-11-2011

تململ سليم في فراشه حين سمع صوت المؤذّن يصيح الله اكبر، اعتدل على حافة السرير، فرك عينيه، صاح الله اكبر، واخذ يستجديه، أن يعينه على الظلام المحيط به، وإذ بوالدته تناديه هيا اصح يا سليم يا ولدي لتصلّ الفجر. قال إني صحوت يا أمي وعلمت أن الشمس بدأت تتهادى نحونا، لتنير ظلمة الدنيا فيا ليت أراها مرة واحدة،


تجيب والدته بحنو شديد الله كريم يا ولدي، قد عوّضك عن البصر بالبصيرة، والبصيرة أقوى واشدّ من البصر لو تعلم،
أجابها إني لا اعلم ساعات صبحي من مسائي إلا حين اسمع صوت المؤذّن، فأعلم أن الطبيعة فجّرت العتمة وبدأ الصبح ينجلي، ليملأ الدنيا نوراً،
أجابته:كن جميلا ترى الوجود جميلا، وتحسّ بعظمة الخالق، الأمل بالله كبير، قد نجد مع الأيام العلاج الشافي لعينيك، الطب تقدّم  فتوكّل على الله، الدنيا كثيرة المفاجآت تغيّر الأحوال، قد تحلم كثيرا ولا تنال شيئا، وقد تسخو فتهبك أكثر مما تتوقّع، قد يعود النور لعينيك، وتتمتّع بإبداع الخالق، فيقول صفي لي يا أمي لون الشمس ولون النور،
تنهّدت وقالت، هو إجلاء كل غامض يا ولدي، يوضّح الأمور ويفتح لك ألأفاق، لتكتشفها على حقيقتها، لا تبالي، صفها كما تشاء، تخيّلها جميلة كروحك، وخذ العبرة والخبرة والقناعة بأنك مثل كل الناس،وربما أفضل، انّي أحسّ بإحساس ألام، انك بذكائك ستُبدع أكثر من المبصرين، والله الموفّق، لا تخف إني أرى فيك القوة والعزم ليوصلك لمبتغاك، ستحقق أهدافك بعون الله، وسأكون لك النور والضياء واليد اليمنى أرافقك حيث شئت حتى تصل فلا يدخل اليأس قلبك  أبدا،
لكني حزين فالمبصرين يستصغرون صاحب الإعاقة، تؤلمني كلماتهم حين يقولون مسكين، الله يعينه كيف يعيش مع العتمة؟
فتجيب الأم بحرقة، كنت أجيبهم بكل ثقة، أنك ترى أكثر منهم، حينها كانوا يخجلون  ويخرجون.
فتنهّد سليم وقال إن شاء الله، وتابع: كنت أتعذّب، حين اسمع  ضحكتهم واستهزائهم بي، وأتذكر أم سامي جارنا حين تقول لك، ابقي قابليني إذا فلح ابنك ألأعمى. فتدب في روحي النار ويصحو المارد داخلي ينصرني ويحرّك فيّ الحزم والعزم، التمّرد والتحدّي، لأثبت وجودي وافعل ما لا يستطيع أي مبصر فعله،
فتفرح ألام لثقته بنفسه، وتضمه إلى صدرها، يمسك يدها ويقبّلها ويقول لها أبقاك الله لي سندا يا أمي، وتمضي الأيام ما بين شفقة وازدراء، واتّكالي على الله يكبر يعينني على تخطّي الصعاب، وحين كان اليأس يتسلل لقلبي كنت أتجاهله انظر للأمام، فالإحباط ليس له مكان عندي، وتكافح أمي من اجلي تخاف يأسي، فأتوقّف عن مسيرتي التي حيّرت الكثير، لكني جبّار لن ادع للمُحبط عزيمتي فرصة لينال مبتغاه ويوقفني،
وتمضي الأيام وئيدة صعبة لكن كلّي نشاط، استمراريتي ومثابرتي واجتهادي ليل نهار ولّدوا فيّ الأمل الكبير، كم كانت فرحتي وفرحة أمي حين كانت شهاداتي تُتوّج كلها بالنجاح، ومن المحاماة اصل للأكثر، أحارب من اجل مواساة الفقير المظلوم، انصره، من الشر والأشرار، أنصف المهضوم حقه وارد له اعتباره، إن لم يستطع اخذ بالإنسانية، والنجاح يتلوه نجاح، وأعلو أعلو حتى أصبحت قاضيا عادلا، لتدور دائرة الأيام، وأفاجأ يوما  بسلاسل تقيّد ابن جيراني سامي ابن أم سامي التي تركت جراحا داخلي لم يضمّدها الزمن، حتى الآن ذكراها تؤلمني بكلماتها الجارحة لأمي، وقدراتي تكبر، وتكثر أهدافي ونجاحاتي سدّت أفواه كل من هزئ بي واستصغرني، ها هو سامي وورائه أمه تنتحب ولدها المتورّط، لم يستجب لصوت الله والضمير، عاث بالدنيا فسادا، ووقع فريسة ضلاله وغرور والدته وجهلها، ولم تكن تعلم، مدى كفاءات صاحب الإعاقة، وأن كل ذي عاهة جبار، ويفاجأ سامي حين دخل قاعة المحكمة، فيصيح بأمه، هل تعلمين من هذا؟
فتُجيب أم سامي لا يا ولدي، ويصيح مرة أخرى دون أن يراعي حرمة المكان، هذا الذي حاولت يوما ما تحطيمه واستهترت بقدراته،
علمت انه هو سامي، بحسّي وذكائي، ثم تأكدت حين نادوا عليه ليقف أمامي ساعة القضاء، ذُهلت وارتجفت رغم قوة موقفي وضعف موقفه أمامي،
هو أيضا أصابته رجفة مثلي وارتعاشا شديدا، وربما أكثر من ذلك، بهرته المفاجأة، سمعته يصيح جارنا سليم، صرخ بدون ألقاب ولا احترام لشخصيّتي، أحسّ أننا ما زلنا أطفالا صغارا نلهو، ثم قال بيأس مفرط هل رأيت يا أمي ما رأيت؟ رأيت اليوم العجب، آه للأيام ماذا تفعل بنا، تأكدت منذ ألان، أن لا استصغر إنسانا أبدا مهما كانت إعاقته، أو حالته الاجتماعية، هاهو يفلح ويصل لان يقاضيني أنا وغيري، فأين هو مني، وأين أنا منه؟ بأي موقف ضعف أقف قبالته.