الإمام ونهـوضـه بالمعاق إلى الأمام

19-12-2010

من أهم الأمور التي طغت على فكر الدائرة الإسلامية في قسم الطوائف في وزارة الداخلية وأشغلت بالها وهزت ضميرها، قضية المعاقين في وسطنا العربي التي تلقى إهمالا صارخا في مختلف مجالات الحياة، فأحوال المعاقين المروعة، وفقدان الرؤية الموضوعية، وغياب الخطط المنهجية حدا بالدائرة الإسلامية أن تقيم لائمة المساجد في البلاد أربع دورات تأهيلية في مجال الإعاقة، دعي الى المشاركة فيها لإلقاء المحاضرات إقامة الورشات جهات هامه، كان من أبرزها معهد مسار للأبحاث وبرنامج "مسيره" لمنظمة جوينت .


الدورة الأولى أقيمت في مسجد أبي بكر في كفر برا، اشترك فيها أئمة المساجد في المثلث الجنوبي والنقب واللد والرملة ويافا والقدس.
الدورة الثانية أقيمت في المركز التربوي في باقة الغربية لائمة المثلث الشمالي.

الدورة الثالثة أقيمت في مؤسسة رند في اكسال لائمة المساجد في الناصرة والمروج.

الدورة الرابعة أقيمت في مسجد السلام في عبلين لائمة المساجد في الجليل الأعلى والأسفل.

الدورة الخامسة أقيمت في كفر ياسيف لمشايخ من أبناء الطائفة الدرزية.

هذه الدورات حددت الخطاب الذي به يخاطب الإمام جمهوره، ويحثهم على العناية بالمعاق وتكريمه ، واحترام ذاته ، وتعزيز قدراته ومنحه الفرص تماما كإخوانه من الأصحاء، بعد أن سبروا غور دلالات هذا الخطاب، وفق منهج نهضوي جديد، حدد وضعية المعاق حسب المعطيات الدقيقة عن أحوال المعاقين في الوسط العربي ، وإعطاء تفسيرات لها لفهم واقعه على النحو الذي آل إليه وأسباب الظلم الواقعة عليه ، وبيان حقه المشروع في محاولة لدحض وبطلان الأفكار الهدّامة التي سيطرت على الأذهان وتخطي المؤثرات والعادات الوبيلة التي سخرت من المعاق وأهملته وأعاقت تقدمه وتطوره.

وكم كانت لهذه الدورات من أثر في رسم مرجعية توحيدية ، وقوة في حمل الناس على تغيير مواقفهم نحو المعاق ، وإخراجه من مأزق الإهمال وقفص الإغفال ، وإضفاء الحق الشرعي والقانوني والإنساني عليه والتحامه مع شرائح المجتمع وأفراده ، والتفاعل مع الخصائص المجتمعية بعد إخراجه من الواقع المستعصي، كيف لا والإمام  مكان الصدارة، يحمل فقه التغيير ويحظى بفضيلة الدعوة إلى احترام المعاق ، وهو بهذه الدعوة يستند إلى النقل والعقل، فمن النقل النصوص القرآنية وتعاليم السنة المطهرة، التي أتت مناصرة للمعاق ، وداعية إلى دعمه وحمايته واستغلال طاقاته، أما العقل، فإن كان سويا فهو يرى أن انتقاص حق المعاق جناية يحاسب الله تعالى عباده عليها.

إن وحدة قياس نجاح عمل الدائرة الإسلامية يتمثل في جعل الإمام يلتحم بقضايا أمته وهمومها واستنهاضه لمواجهة مختلف مشاكلها، بعد اهتمام الدائرة الإسلامية بتطوير شخصية الإمام وتنمية قدراته وإنضاج خبراته ، وهو بهذه الصفات يستطيع مد المجتمع ورفده بكل خير يقربه إلى دينه ويعزز عقيدته ويخدم أمته ويشيع الاستقرار والطمأنينة بين صفوف أفرادها ، ويعطي من نفسه نموذجا حيا لتعاليم الدين، بعد أن غفل معظم ألائمة عن الحديث في وعظهم وخطبهم عن المعاق، حتى أن احدهم تجرأ واصفا نفسه بأنه هو المعاق، إذ  تعوق عشرين عاما عن إثارة مسألة المعاقين أمام جمهور المصلين ودعوة الدين إلى رعايتهم.

الدورات حاولت تأسيس منظور ديني قائم على قراءة جديدة ، قلل هذا التأسيس من الصفة التنظيرية وبدا فيه التمازج بين الجانب النظري والعملي بدعوة الأئمة إلى فعل الآتي :
-1 بناء وشق طريق خاص للمعاقين في المساجد لتمكينهم من أداء الصلوات.
-2 إخراج كتاب خاص بالخطب المنبرية تناول رأي الدين واهتمامه بالمعاقين وإبراز نماذج أسهمت إسهاما نافعا في خدمة أنفسهم ومجتمعهم، يكون الكتاب مرجعا هاما للخطباء.
-3 تشكيل لجنة متابعة من أئمة المساجد من مختلف القرى والمدن العربية.
-4 توعية جمهور المصلين بقضية المعاقين وبيان ما لهم من حقوق وواجب الرعاية.

نقول والحمد لله أن كثيرا من المساجد قد استجابت لدعوة بناء طريق خاص بالمعاقين في كثير من المساجد وقسم الطوائف تعهد بدعم مالي كامل لذلك.
أما الكتاب فقد خرج إلى النور، أخرجه معهد مسار للأبحاث ووُزّع على الأئمة وجهات عديدة في مؤتمر عقد في الناصرة اشترك فيه أبناء الديانات والطوائف المختلفة.

أما اللجنة فقد تم تشكيلها لمتابعة كل جديد نافع، يكون مصدره الجهات والأطر التي تُعنى بشؤون المعاق.
وفيما يخص التوعية فقد تناول الأئمة في خطبهم موضوع الإعاقة بإفاضة وعناية، حرصا على حمل الناس على الاهتمام بالمعاق. 

وهكذا أفرغت الدائرة الإسلامية وقسم الطوائف الدينية وسعهما في العمل على توليد وعي عام يثير حالة الإهمال المحيطة بالمعاق ، بدفع الظلم عنه على المستويين الرسمي والشعبي والتأكيد على المنطلقات الدينية والاجتماعية وإعطائها تفسيرات واعية تصب في مصلحة المعاق ، مع بيان ما يترتب عن الاهتمام به من جزاء إنساني وأخروي، فعزل أحوال المعاق وواقعه عن النصوص القرآنية والتوجيهات النبوية من شأنه إضعاف الهمة وتفويت الفرصة ، فالنظر إلى هذه النصوص بوصفها مصدرا صلبا للمعرفة الحقّة ، بجوار ما أفرزته المدنية الحديثة من خبرات وخدمات ، داخل اطر أصبح لها حضورا كبيرا كجمعية المنارة لدعم المكفوفين في المجتمع العربي التي تقدم خدمات جليلة للمكفوفين العرب ، وتفتح أبوابها لتنمية الملكات والعمل على سد الفجوات.

ولعلها فرصة أن أقول لأخوتي المعاقين، أن الله تعالى إذا حرم الإنسان شيئا عوّضه شيئا آخر، فكثيرا ما نجد المعاق قد أوتي قدرة خاصة لم يقدر عليها غيره من الأصحاء، فإذا تعامل المؤمن على أن هذه الإعاقة ابتلاء من الله ، سكنت نفسه واطمأن قلبه ورضي بما قسمه الله، ولكن مع إعاقته يستطيع بدعم الآخرين وعنايتهم له أن يقاوم هذه الإعاقة، مستثمرا ما عوضه الله عنها من قدرات ومواهب ونعم إلهية، دون أن يستسلم أو يخضع لنقص قد ابتلاه الله به، بل عليه أن يجد ويجتهد حتى يأخذ مكانه اللائق في مجتمعه ،

فانظر إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم لرجل أعرج وهو عمرو بن الجموح، حين قال عنه:"  إن من عباد الله من لو اقسم على الله لأبرّه " وكذلك نجد الصحابي الجليل عبد الله بن ام مكتوم الذي نزل فيه القران:" عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى"، فالله تعالى أراد أن يمهد الطريق أمام هؤلاء المعاقين،  تكريما لهم ، وحفظا لهم وتهيئة البيئة لإزالة العوائق التي تعترض سبيلهم ، وتنبيه الأسرة والمجتمع بأخذ أسباب السلامة التي تمنع حدوث الإعاقة ، كأن تتناول الأم بعض الأدوية أثناء الحمل، أو الإعاقات الناجمة عن الحروب وحوادث الطرق والحوادث البيتية، فهذه تحتاج إلى مزيد من الوعي لتلافي هذه الإعاقات، وما أجمل ما عبّر عنه سيدنا عبد الله بن عباس الذي أصيب بالعمى، وبعض الناس عيّرهُ بهذا، فوقف بن عباس وقال:

إن يسلب الله من عيني نورهما 
ففي لساني وقلبي منهما نور
عقلي ذكيّ وقلبي غير ذي دخل       
وفي فمي صارم كالسيف مشهور
                     
وأخيرا نقول ولله الحمد أن هذه الدورات بدأت تؤتي أكلها ، فهناك نضجا معرفيا وسلوكا حميدا قد بدأ حدوثه في المجتمع العربي تجاه المعاق وهو الأمر الذي يحملنا على الاعتقاد بأنه لولا التوعية الحقيقية التي حظي بها أئمة المساجد بعد توفيق الله وعنايته لكان الوضع أكثر سوءا واشد حزنا.
 

د. زيـاد زامـل أبـو مـخ
مدير الـدائرة الإسـلامـية